المهدي للروحانيات
مرحبا بكل زائر يريد الاطلاع علي علم الروحانيات الحقيقي بإذن الله تعالى.

مفهوم الغربة في تصوف محيي الدين بن عربي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مفهوم الغربة في تصوف محيي الدين بن عربي

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين أبريل 17, 2017 11:41 am

مفهوم الغربة في تصوف محيي الدين بن عربي

مُساهمة Admin في السبت ديسمبر 28, 2013 1:09 am

مفهوم الغربة في تصوف محيي الدين بن عربي

الدكتور عاطف جودة نصر
شغلت الغربة في تراث الثقافة العربية بعض الشعراء و الكتاب و المفكرين، و كانت في أشكالها الثلاثة غنية بدلالات و رموز أنطولوجية، و يؤول تركيبها الثلاثي الي غربة يفرضها التكوين الطبوغرافي، و غربة نابعة من الاستئصال، و غربة عرفانية نظفر بها في بعض ما كتب ابن عربي، و هذا الشكل الثالث هو الذي نبسطه في هذا المقال.
و نود أن نشير بايجاز قبل أن نلم بأبعاد الغربة العرفانية و معانيها في تصوف ابن عربي، الي رسالة الغربة التي كتبها أبوحيان التوحيدي إذ تعد من أبرز ماتناول في كتاب الموسوم بالاشارات الالهية.
و على معنى الاستئصال الذي يسيطر علي مفهوم الغربةْ عند التوحيدي يعلق الدكتور عبد‏الرحمن بدوي محقق الإشارات الإلهية بقوله: «إن الوطن المادي لامعني له إذا قيس بالوطن الروحي الذي تقطنه تلك النفوس الشاردة»، و هذا يدلنا على معنى الاستئصال الذي كان نتيجة ضرورية للدور الذي كانت فيه الحضارة العربية آنذاك، أي في دور المدينة المتأخرة، و في مدينة بغداد التي كانت آنذاك مدينة عالمية سرعان ما يستأصل فيها ساكنوها من الأجناس و الثقافات المتعارضة فضلا عما يضاف إلى هذا من انعدام الشعور القومي المحلي عند أمثال التوحيدي من المفكرين الفضوليين علي الحياة السياسية، شأن المفكرين في ذلك الدور الحضاري يكونون عادة عالميي النزعة، و هو ما عبر عنه أبوالفتح البستي في ذلك العهد نفسه فقال:
وإن نبت بك أوطان نشأت بها***فارحل فكل بلاد الله أوطان
لكن التوحيدي لايقتنع بهذا المعني المبتذل، و إنما يرفعه إلي المعنى الأعمق في قوله: «قيل الغريب من جفاه الحبيب، و أنا أقول بل الغريب من حاباه الشريب بل الغريب من نودي من قريب›.
و يرتفع التوحيدي بهذه النبرة إلي درجة عالية فيصيح: «بل الغريب من هو في غربته غريب».
و بهذه الصياغة الوجودية شارف التوحيدي و صيد الغربة الغريبة، متجاوزا المعنى المادي للغربة، و هو المعنى الذي يأتيها من خارج متمثلا في النزوح و الأسفار، إلي معني تتحقق به الغربة الباطنة. و يتحقق به ما نعته التوحيدي بالغربة عن الغربة.
و عن الشعور بالاغتراب في الوطن القومي يقول أبوحيان: «هذا غريب لم‏يتزحزح عن مسقط رأسه، و لم يتزعزع عن مهب أنفاسه، و أغرب الغرباء من صار غريبا في وطنه، و أبعد البعداء من كان بعيدا في محل قربه، لأن غاية المجهود أن يسلو عن الموجود، و يغمض عن المشهود، و يغضي عن المعهود.»
و لئن تناول التوحيدي موضوع الغربة هذا التناول الفني الذي يحتفي بالأسلوب و بتوفير إيقاع داخلي منصبغ بمعاناة التجربة على المستوى الذاتي، فقد تناول محيي الدين بن عربي هذا الموضوع نفسه بضرب من التحليل الذي ينحل إلي مذهب في الأبستمولوجيا العرفانية[1] لم يفتأ يطمح إلى تأسيس ماهيات لظاهرات الشعور متمثلة في أحوال الوعي الذاتي و تجاربه ومواقفه. و يستعين ابن عربي على تحقيق هذه الغاية بتحليلات نفسية و أخري أنطولوجية، و هكذا نجد أنفسنا من خلال التوحيدي وابن عربي بإزاء مستويين، مستوى التعبير الفني، و مستوى التحليل العرفاني.
و الحق أن ابن عربي يميز في كتاباته بين السفر و الفرار و الغربة بوصفها ظواهر يجمعها طابع الحركة، و هو تمييز لابد أن نلم به لنقف علي تحليله العرفاني للغربة بوصفها ظاهرة يتأملها الشعور الوضعي[2] والكشف عن الحد الجامع بين هذا الثلاثي متمثلا في الحركة، سواء كانت على هيئة التخارج المكاني أو على هيئة الكيف الزماني للوعي الباطن.
و يحلل ابن عربي في رسالته «الإسفار عن نتائج الأسفار» [ابن عربى 1948 ج 2] ، معني السفر و أنواعه و وسائله و الغاية منه، مشيرا في رسالته إلى السفر من «العماء الرباني» إلى «عرش الاستواء»، و هذا عنده هو السفر الرحماني، يليه سفر الخلق و الأمر و هو السفر الإبداعي، و في رسالته الانفة الذكر، نلاحظ نزوعه إلي استبطان التنزيل[3] فقد عدد أنواعا من السفر، يناسب كل نوع منها نبيا من حيث إن كلا منهما يحيل علي الاخر.
فهبوط آدم سفر الابتلاء، و رفع إدريس رمز علي سفر المكانة و الرفعة، و في سياق ذكره نوحا و إبراهيم و لوطا و يعقوب و موسي ، يشير إلي ضروب من سفر النجاة و سفر الهداية، و سفر الإقبال، و سفر الابتلاء، و سفر الميقات الإلهي. و لايخفي أن ابن عربي يلاحظ في هذا الاستبطان، أن السفر ليس بالضرورة نقلة على هيئة الحركة في الخارج، ذلك أنه يضم إلي هذه الدلالة دلالة أخري تتنوع بتنوع أحوال الباطن.
و يقيم ابن عربي تأمله للظاهرة في إطار تشكيل ثلاثي يراعي فيه حقيقة وجودية ذات طابع إلهي، و ذلك قوله: «إن الأسفار ثلاثة لا رابع لها أثبتها الحق و السفران الأولان لهما غاية، و سفر التيه لاغاية له» [1948].
و يرمز ابن عربي بسفر التيه إلي السفر ـ في ـ الله، و معلوم أنه لايكون بنقلة و حركة، و حري إن لم يكن كذلك أن يكون سفرا معنويا، وضحه بقوله «وأما المسافرون فيه فطائفتان، طائفة سافرت فيه بأفكارها و عقولها... كالفلاسفة و من نحا نحوهم، وطائفة سوفر بها فيه و هم الرسل و الأنبياء و المصطفون من الأولياء».
و لايخفى أن استخدامه الفعل المبني للمجهول في التعبير الرمزي عن الطائفة الثانية، يدخل في إطار ما كان ابن عربي يرسيه من أصول فيلولوجية عرفانية[4] ، ذلك أن الدلالة المتضمنة في الفعل مبنيا علي هذا الحد، تضع حدا فاصلا بين من سافر فيه، و من سوفر به فيه، فالأول إنما عول في سفر التيه علي جهد شخصي يحيل علي منهج فكري برهاني، أما الثاني فقد فرغ نفسه من الحول و القوة الذاتيين متخذا في هذا التبري وضع تربص و تعلق باللطف الإلهي بحيث يبدو في سفر التيه محمولا، ذلك أنه لم يسافر بنفسه و إنما سافرت به الحقيقة الوجودية.
و كما ميز ابن عربي في تحليله الفينومونولوجي بين سفر ـ من، و سفر ـ إلي ـ ، و سفر ـ في ـ‌ ، ميز أيضا في تحليل «الفرار» تمييزا ظواهر يا بين فرار ـ من ـ ، و فرار ـ إلي ـ ، و أشار إلي أن الفرار إنما يكون بين طرفي ابتداء و انتهاء، فابتداؤه من ـو انتهاؤه ـ إلي ـ [ابن عربي ج 2: 155 – 156].
والذي يعنينا في هذا السياق أن نحيل علي مذهب ابن عربي كما تصورناه، و بحسبان هذا التصور نجد أنه أدخل العدم شرطا في السفر و الفرار و الغربة بوصفها ظاهرات حاضرة أمام الوعي العرفاني المنعكس.و لعلنا نلاحظ في هذه الظاهرات كلها دخول العدم[5] شرطا في تعيين كل منها، و لايقصد بالعدم هنا الباطل و الخلو من أي شكل أو صورة، و إنما تعني به العدم الوجودي أو قل «الليس أيسية» من حيث هو شرط في وجود الشعور. و بمزيد من الإيضاح نقول إن من ـ في هذه الأحوال كلها تحيل علي انتقال و نزوح، و هذا الترك لما ـ منه ـ ، سلب أو نفي[6] يتجاوز وضع الحمل المنطقي و يتجلى بوصفه العدم الذي يفرزه الوعي، ـ و ما ـ إليه ـ بيدي نفسه هو الاخر علي هيئة وضع مؤجل أو ما ليس بعد، و هكذا يدخل العدم في الطرفين اللذين يتوسطان الفعل، يعني فيما ـ منه ـ و فيما ـ إليه ـ .
و قد عبر ابن عربي صراحة عن هذا العدم الوجودي و نعته باللاتعين في تحليله لظاهرتي الفرار و الغربة، و وصفه بالإمكان، و هذا كله يدرأ شبهة أن نكون نحن الذين نقرأ ابن عربي، نفسره بضرب من العسف، أو نتناول نصوصه بحيث نصرفها عن وجهتها و دلالاتها.
و مما يؤكد ما نذهب إليه تحليل ابن عربي للفرار، فقد ميز فيه بين فرار ـ من ـ و فرار إلى ـ بوصفهما طرفي ابتداء و انتهاء، و أولج العدم فيهما معبرا عنه باللاتعين، يقول ابن عربي: «... فقد يكون السبب الموجب للفرار ـ من ـ كفرار موسي و لايتعين ـ الى ـ ، فإن الفار ـ من ـ إنما يطلب النجاة من غير تعيين غاية، و الفار إذا كان هو السبب الموجب للفرار لابد أن يكون معينا و لايتعين ـ من، و هو عكس الأول، و لما كان الأمر بهذه المثابة أمرنا الله أن نفر إليه و لابد، و قد نفر إليه منه مثل قوله (و أعوذ بك منك) [ابن عربي الفتوحات ج 2: 155 – 156].
علي هذا النحو من التحليل تناول ابن عربي ظاهرة الغربة، و ذكر في تعريفه لها عندما تعرض للمصطلح الذي يدور بين الصوفية أنها تطلق على ثلاثة أنحاء الأول مفارقة الوطن في طلب المقصود و الثاني غربة عن الحال من حقيقة النفوس فيه، و الثالث غربة عن الحق من الدهش من المعرفة لحكم الاصطلام [ابن عربي 1948 ج 2؛ الفتوحات ج 2: 131، 527].
و يبدو هذا التركيب للغربة تصاعد يا إذ يبدأ بالدرجة الدنيا منها علي هيئة الامتداد المكاني، و ينتهي بما نعته بغربة الدهشة عن المعرفة.
و نلاحظ في تحليل ابن عربي للمستوي الأدني من الغربة، أنها إما أن تكون لتوهم أو طلب معية، أو لتحقيق خمول, و ذلك أن الوهم ربما خيل للسالك أن مقصوده و هو من يغترب إليه، خارج عن حدود وطنه، و إذا كان الله هو من يغترب إليه، فحري أن تكون الغربة علي هذا الحد المتخارج في المكان، حجابا يؤذن بوهم، أو قل و هما يؤذن بحجاب، لأن الذي إليه الاغتراب ما هو بائن، و هذه عند ابن عربي غربة المبتدئين، و هذا هو المعني العام الذي أخذ في تاريخ الصوفية المسلمين شكل السياحة نشد انا لله و تحقيقا للتكريس الروحي.
و في هذا السياق يذكر ابن عربي حكاية عن أبي يزيد البسطامي، و كيف أنه لما كان في هذا المقام خرج من بسطام في طلب الحق، فوقع به رجل من رجال الله في طريقه، فقال يا أبا يزيد ما أخرجك عن وطنك؟
قال: طلب الحق، فقال له الرجل: إن الذي تطلبه قد تركته ببسطام، فتنبه أبو يزيد و رجع و لزم الخدمة حتي فتح له فكان منه ما كان.
و من ضروب الغربة في هذا المستوى ما يكون طلبا لمعية القلب و حضوره و هذه أيضا غربة في المكان ينشدها من يطلب وجود قلبه مع ربه في حاله، فإذا لم يظفر بالمعية و الحضور في مكانه الذي هو فيه، اغترب عنه إلي مكان آخر رجاء الحصول.
و يفضي هذا الضرب من الغربة إلي أن الصوفية يؤكدون في مذهبهم العرفاني علي روحانية المكان، أو قل يسبغون على الامتداد الخارجي[7] مسحة من توتر الأحوال الباطنية للوعي، و إلا فلم يجد السالك قلبه في موضع و يفتقده في آخر؟ هذا التساؤل يحيل علي أن للمكان طبيعة شخصية[8] و تطرح هذه النتيجة تساؤلا عما إذا كانت هذه الطبيعة الشخصية مسقطة من خارج أي من المتمكن، أو ذاتية للمكان؟
إن المكان بوصفه وجودا ـ في ـ ذاته[9] ـ شرط ضروري لوجود الانية من حيث كونها لاتوجد إلا في العالم، و هذا الوجود ـ في ـ العالم وجود في المكان، و إذا لم يكن المكان ذاته متعينا علي هيئة شعور وضعي لزم من هذه البداهة أن المتمكن هو الذي يشرب المكان طبيعة شخصية و ينفخ فيه من روح ليذيب التتالي الذي يتميز به المجال الممتد، في توالي لحظات الوعي المنبثقة من الزمان النفسي الحي.
و علي هذا النحو تؤول شخصية المكان في العرفانية الصوفية إلي طبيعة إسقاطية، و يتفق هذا التصور العرفاني مع بعض نتائج علم النفس، إذ يحدثنا المختصون عن ضروب من الفوبيات المرتبطة بأشكال من المخاوف المكانية كالخوف من الطرقات المفتوحة بوصفه دفاعا ضد الاستعراضية و هو في حقيقة الأمر خوف من الظهور بين الناس، و مثل الأجورافوبيا بوصفها فوبيا الأماكن الفسيحة و فوبيا الزحام و نحو مخاوف الانحباس في الأماكن الضيقة الكلوستروفبيا و «مخاوف الاختناق التي غالبا ما تكون ضد أخابيل العودة إلي الرحم [اوتوفينخل 1969: 220 – 224].
و إذا أمعنا النظر في الطابع الباثولوجي لمخاوف الحصار و الاختناق و الأماكن المنبسطة، تبين لنا أن العرفانية الصوفية عند ابن عربي تؤكد من خلال علم النفس الديني علي أن الطابع الخاص بالمكان في تجربة الغربة كما تتمثل في المستوي الأدني يفصح عن نفسه في وضع ضروب و أشكال من الإسقاط الذاتي.[10]
و تزداد هذه النتيجة قوة في ضوء ما ذهب إليه ابن عربي في تحليل بواعث الغربة بمدلولها المكاني، إذ من بواعثها نشدان الخمول، يقول ابن عربي:
إن بعضهم قد يفارق وطنه لما كان فيه من العزة، فإذا رأى أنه قد زاد عزا بالزهد و التوبة، أو لم يكن مذكورا فاشتهر بالتوبة و الخير فأورثه عزا في قلوب الناس، فوقع عليه الإقبال عليه بالتعظيم، فيفر و يعرف عن وطنه إلي مكان لابعرف فيه [الفتوحات ج 2: 527 – 529].
و ليس الخمول بوصفه باعثا على هذا الضرب من الغربة، سوي رغبة تعبر عن إرادة التجاوز، فهو إذ يغترب عن المكان الذي اشتهر فيه بالقداسة بحيث أمسكته نظرة الاخر، إنما ينزح تخوفا من النظرة المهلكة، و تحقيقا للخمول الذي ارتبط عند الصوفية بسلوك ملامتي غايته نقاوة الباطن و تحاشي الهلكة الروحية، أو قل غايته التعالي و تجاوز الغير، و أن يدفن وجوده الشخصي حتي لايسقط في الناس و كيما يتفتح وجوده كما تفض البدرة إمكانياتها بالانطمار.
و بصدد غربة العارفين يقول ابن عربي:
و أما غربة العارفين عن أوطانهم فهي مفارقتهم لإمكانهم فإن الممكن وطنه الإمكان فيفارق الممكن وطن إمكانه لهذا الشهود، و لما كان الممكن في وطنه الذي هوالعدم مع ثبوت عينة، سمع قول الحق له كن، فسارع إلي الوجود، فكان ليرى موجده فاغترب عن وطنه الذي هو العدم، رغبة في شهود من قال له كن... و من غربة العارفين بالله، غربتهم عن صفاتهم عند وجودهم الحق عين صفاتهم[11].[الفتوحات ج 2: 527–529].
و لدى هذا الوصيد من الغربة العرفانية ننتقل من الغربة العامة بمعناها المادي المحدود بالمكان إلي غربة أخرى ننفتح بها على العلاقة التضايفية بين العدم و الوجود و نقع بواسطتها على دلالة مرموزة للوطن، تتجاوز التكوين الطبوغرافي و الوضع القومي إلي كلية شاملة يبدو معها الوطن هو العدم بوصفه شرطا جوهريا في التحقق بالوجود.
و لاتتأتى هذه الغربة العرفانية إلا من جوانية الوعي المنعكس و هو يتأمل تولد وجوده من العدم بوصفه وطنه الأصلي، و على هذا النحو لاتبلغ العرفانية الصوفية هذا المستوي من الغربة إلا من خلال شعور وضعي يتأمل إمكانه العرضي باعتباره عدما لايعدو أن يكون كمونا للوجود. و الذي يؤول إليه السياق عند ابن عربي، أن الشهود هو الدافع إلي مفارقة الممكن وطن إمكانه فما المقصود بهذا الشهود؟
إنه ضرب من الانكشاف المحيل علي كشف، فالشعور يقشع و يسلخ حتي ينكشف للعارف أنه الحق و الحق وطنه الوجوب الذاتي لا الإمكان، يقول ابن عربي: «... فإن الممكن وطنه الإمكان، فيكشف له أنه الحق، و الحق ليس وطنه الإمكان، فيفارق الممكن وطن إمكانه لهذا الشهود».
و الذي يفهم من عبارة ابن عربي، أن العارف يكشف له أنه أي الحق هو الموجود وجودا وجوبيا من ذاته، أو يكشف له أنه الحق بوصفه أي العارف، مظهرا و تجليا، أو يكشف له أنه الحق من حيث كونه الوجود الخالص. قد أبي إلا أن يبدي ذاته في الزماني المتغير الذي أخذ من حيث الوجود صفة وجوبية إلا أنها وجوبية بالغير لابالذات. و عن هذه الغربة العرفانية عبر ابن عربي بقوله:
إذا ما بدا الكون الغريب لناظري***حننت إلي الأوطان حن الركائب
جاعلا من العدم رمزا علي الأوطان، فالكون غريب في نظره لأنه لم يألفه، ذلك أنه لما برز من العدم إلي الوجود ـ في ـ العالم، دهمته موجوديته التي لم يعتدها و من ثم نراه يخلع علي الكون صفة الغرابة فهو يحن إلي العدم أو قل إلي عدمه بوصفه وطنه الأصلي، و على هذا النحو يتحدد موضوع النوستالجيا العرفانية[12] [فصوص الحكم؛ Corbin 1969]. في وضع حنين إلي العود على بدء، أو قل شوق إلي ماكان قبل أن يكون.
و يركب ابن عربي للغربة بنية عرفانية تؤول إلي مستويات و مدارج ذات طابع تاريخي زماني، و ذلك في قوله:
فأول غربة اغتر بناها وجودا حسيا عن وطننا، غربتنا عن وطن القبضة عند الإشهاد بالربوبية لله علينا، ثم عمرنا بطون الأمهات فكانت الأرحام وطننا فاغتربنا عنها بالولادة، فكانت الدنيا وطننا و اتخذنا فيها أوطانا فاغتربنا عنها بحالة تسمى سفرا و سياحة، إلي أن اغتربنا عنها بالكلية إلي موطن يسمي البرزخ فعمرناه مدة الموت فكان وطننا ثم اغتربنا عنه بالبعث إلي أرض الساهرة، فمنا من جعلها وطنا أعني القيامة و منا من لم يجعله وطنا. و يتخذ بعد ذلك أحد الموطنين، إما الجنة و إما النار، فلا يخرج بعد ذلك و لايغترب، و هذه هي آخر الاؤطان التي ينزلها الإنسان ليس بعدها وطن مع البقاء الأبدي [الفتوحات ج 2: 527ـ528].
و تؤول الغربة العرفانية في المدرج الأول إلي تصور للوطن يتجاوز المفهوم المادي إلي تصور خاص بمذهب ابن عربي في الأعيان الثابتة، بوصفها وطن الصور الكلية و الماهيات و النماذج القبلية الثابتة العالية على الزمان، و يؤذن مفهوم الغربة و مفهوم الوطن في المستوى الثاني، بأنه يحيل على وضع بيولوجي يتمثل في الحمل و الولادة، فالرحم وطن و الولادة اغتراب ينفي الآنية و يجعلها في وضع اقصاء.
و في هذه الاستبطان العرفاني[13] نلاحظ أن الولادة إخراج قهري أو قل سلب و انقذاف محدد بعمليات بيولوجية، و على هذا يبدو الرحم وطنا موقوتا سرعان ما ينفينا بلا إرادة أو اختيار منا، و عندئذ نتحقق بحالة مغايرة و نلبس صورا أخري تهيئها الغربة عن الرحم، تلك التي بواسطتها نسقط في العالم.
و في ضوء هذا الاستبطان ينكشف الاتصال الجنسي بوصفه استيطانا و تغريبا في آن واحد، و هكذا تبدو الغربة في مستوياتها المختلفة حركة بين وطنين متقابلين لاقتضائها ما منه تكون و ما إليه تؤول، و في هذه المدارج العرفانية للغربة يسود طابع الضرورة التي ترفع الحرية، و ذلك أن الإنسان لا اختيار له في الاغتراب من الأعيان الثابتة إلي الأرحام إلي العالم، و لا اختيار له في هذه الأوطان التي ينزلها طورا بعد طور و طبقا عن طبق، مما يعني أن الأوطان على هذا النحو نهائية محددة، و أن الغربة قدر الإنسان المفروض بضرب من القهر الذي لايقاوم، و أن هذه الأطوار و المستويات تبدي نفسها لنا من خلال التحليل العرفاني بوصفها حركة في التاريخ و الزمان تلائم الروح الإسلامية من حيث تصورها للحركة باعتبارها ذات طبيعة دورية مغلقة.
و يخلع ابن عربي على ما ينعته بالاغتراب عن الحال من قوة النفوذ فيه، دلالة تفضي إلى عدم الركون و الوقوف مع الأحوال، لما في الوقوف معها من وبال و حجاب، و يحدد لهذا المفهوم معيارا يقاس به صدق المريد في غربته، يقول ابن عربي:
فعلامة صدق المريد في غربته عن وطنه حصول مقصوده... فمن يتعلق قلبه بوطنه في حال غربته فما اغترب الغربة المطلوبة» [الفتوحات ج 2: 529].
و على هذا النحو لاتكون حالة «النوستالجيا» إيذانا باكتمال عرفاني للغربة إلا إذا تعلقت بما إليه الاغتراب لا بما منه الاغتراب، و ذلك أن ما إليه الاغتراب هو مجال العلامة التي تقيس الصدق الداخلي في إطار التحقق الغائي.
و يحدثنا ابن عربي عن نوع آخر من الغربة، و هي الغربة عن الحق التي هي من حقيقة الدهش عن المعرفة، و في تحليل هذا المستوى يقول‎:
الإمكان موطنه غير موطن الوجوب، بل هما موطنان للواجب و الممكن، و موطن الممكن العدم أولا، فإذا اتصف بالوجود فقد اغترب عن وطنه... و كان في حال سكناه في وطنه مشاهدا للحق فإنه جارله، إذ وصف العدم له أزلا وصف الوجود لله أزلا، فاغترب عن وطنه بالوجود ففارق مجاورة الحق، و لزم الحدوث بهذه الغربة، و الحق غير متصف بهذه الصفة... فاغترب عن الحق بحدوثه، و لما حصل له الوجود الحادث و وقعت المشاركة في الوجود بينه و بين الحق، دهش فإنه رأي ما لايعرفه فإنه عرف نفسه متميزا عن الحق بحال العدم فما فارق هذا الحال بالوجود، أدركه الدهش عن المعرفة الأولي [الفتوحات ج 2: 529].
و ينبغي أن نلاحظ أن الكمون و الإمكان و الوجود بالقوة و ثبوتية الأعيان ترادف العدم في السياق العرفاني، و هو بحسبان هذا التصور عدم وجودي، يقول ابن عربي:
... فالشيء هالك في حال اتصافه بالوجود، هالك في حال اتصافه بالهلاك الذي هو العدم، والعدم للممكن ذاتي، و من المحال زوال ما تقتضيه الأمور لذواتها، فمن المحال زوال حكم العدم عن العين الممكنة اتصفت بالوجود أو لم تتصف. [الفتوحات ج 2: 99-100].
و هذا الذي يؤكده ابن عربي يجعلنا نميز بين ضربين من العدم، أعني العدم الماهوي و العدم الواقعي، و باغتراب الإنسان عن العدم الماهوي تتولد هذه الدهشة العرفانية، و ربما قيل استئناسا بتصور ابن عربي للعدم، إن الآنية إنما تغترب من عدم إلي عدم، من عدم ماهوي إلي عدم واقعي، على نحو يجعل من هذا العدم غربة و وطنا، فأيان تكون الدهشة، و أيهما أصل في الآخر، الدهش من الوجود أم الدهش من العدم؟
إن الوعي العرفاني لايعاني تدهيش الوجود إياه إلا ويعاين الدهش عن العدم. و علي هذا النحو تحيل المواطنة و الاغتراب كلاهما إلى العدم، و على هذا فالدهشة ـ عن ـ العدم متعلقها الماهية الخاصة، أما التدهيش بالوجود فخاص بتحقيق الماهية على هيئة الوجود الفعلي الواقعي، و إذا كان العدم هو ماهية الآنية إن في عينها الثابتة أو في وجودها الواقعي في العالم، فإن هذا العدم هو مثار الدهشة الوجودية الغامرة، و يؤدن السياق العرفاني بأن الدهش ـ من ـ الوجود، هو الذي يفضي إلي الدهش عن ـ العدم، بحيث ينكص الوعي و يرتد إلي هذا العدم الماهوي بوصفه وطنا جوهريا، و لعل هذا النكوص و هذه الرغبة في العودة إلي العدم، تحيل على إن العارف إنما يرغب في أن يظل ماهية خالصة.
و في ضوء علم النفس الديني و نتائج التحليل الخاص بظاهرات الوجدان العرفاني يمكن أن نتعرف في دهشة الاغتراب على بعض الأحوال الشعورية المساوقة التي قد يظهر بعضها على نحو بائولوجي، هذا إذا ما تناولنا تلك الأحوال من خارج بوصفها علامة على آعراض بدنية، أما إذا تجاوزنا السطح إلي العمق، فسوف نرى أن ما يبدو في الدهشة العرفانية مرضيا، ليس سوى علامة على موقف متوتر من مواقف الوعي الصوفي، ينشد العارف من خلاله تحقيق مستوى خاص من الوجود الحاضر.
و يبدو هذا الاغتراب من الدهش عن حقيقة المعرفة، أو قل الدهشة المغربة مشروطة بالمباغتة، مما يعني أن التدهيش المغرب إنما يكون علي سبيل الوهلة و الاختطاف الذي لايقاوم، و أنه ـ متي اعتبرنا الطابع التاريخي للآنية ـ لحظة من لحظات الوعي سريعة في حضورها و في تفلتها على سواء.
و من شأن هذا الدهش المولد للغربة إنما يغزو الشعور و يفاجئه و يهجم عليه دون احتساب أو توقع، و عندئذ ترفع المفاجأة المألوف و تنفي المكرر و تحطم المعتاد فيعاين الشعور المتدهش غربته الخاصة عن العدم، كأنما يعانيها بديا أو للوهلة الأولي و هكذا نميط الآنية بالدهش، ما يحجبها عن العدم بوصفه ماهية و وطنا.
و عن هذه الغربة المدهشة أو قل الدهشة الغريبة يتحدث ابن عربي فيذكر أنها حال رجلين، «رجل لم يأنس بهذا المقام ولاوصل إليه بطريق استدراج و ترق من حال إلي حال، بل أتاه بغتة، فجاءه مالم يألفه و لاعهده، فرأى نفسه تضعف عن حمله، فيخاف من عدم عينه فيدهش عن تحصيل تلك المعرفة، و يرجع إلي حسه عاجلا، فيتغرب عن الحق في تلك الرجعة» و يذكرابن عربي أنه رأى من أهل هذا المقام «أبا العباس أحمد العصاد المعروف بمصر بالحريري» [الفتوحات ج 2: 529].
أما الثاني فهو كما يقول ابن عربي:
ما من معرفة ترد عليه إلا و تدهشه لعظيم مايرى مما هو أعلى مما حصل له و أمكن، فيتغرب عن الحق الذي كان بيده، و يحصل من هذه المعرفة حقا يقوم به إلي وقت تجل آخر يعطى فيه معرفة تدهشه، فيتغرب أيضا عن الحق الذي حصل له في هذه المعرفة دائما أبدا دنيا و آخرة [الفتوحات ج 2: 529].
و لايخفى أن ابن عربي في هذا السياق يشير إلى دهش المعرفة، و هو دهش يأخذ طابع الحركة و التجاوز و التعالي المستمر الذي لاإيذان فيه بفترة أو سكون. و على هذا النحو تؤول ديمومة الدهش و ديمومة الاغتراب إلي ديمومة المعرفة المرتبطة بالتجلي الوقتي، فالصوفي في وضع تربص بالتجليات من حيث هن انكشاف لآنوار غيبية، لاتشرق إلا علي هيئة لحظة شعورية، و لاتبدي نفسها للوعي العرفاني إلا كلمح بالبصر متزمن بالحاضر، و مما يفسر الدهشة و الغربة النابعين من المعرفة، و ما فيهما من حركة لاتنقطع و لاتني، أن العرفاء من الصوفية يؤكدون علي أن التجلي بمثابة خلق جديد، و أنه لايتكرر للشعور مرتين؛ و من ثم نري العرف في هذا الوصيد من الاغتراب لايقف مع ما يعطيه الوقت بحيث تفوته تجليات المعرفة التي تعطي في كل نفس و وضع خلقا جديدا فهو مع تجل عرفاني ينقضي بتحصيل تجل آخر أعلى من الأول، و هكذا تتجلي المعرفة وطنا و اغترابا.
و يختم ابن عربي هذا التحليل العميق بإيضاح موقف العرفاء الذين حققوا درجة الكمال الروحي، و في هذا الايضاح ينتقل أو قل يحطم تجربة الغربة بالعودة إلي مفهوم الاستيطان، و لئن آذن هذا التصور بضرب من السكون و الثبات، فقد أفضت المستويات الأخري إلي الحركة المتراكبة، و لايخفي أن ابن عربي يضع على هذا النحو معيارا للتقويم و المفاضلة بين درجات الكمال و النقص في هذه التجربة، و هي مفاضلة يعلي فيها من شأن الثبوت و الاستيطان و السكون برغم اعترافه بأن الآنية في وضع سفر و حركة و اغتراب.
و إذا كان الاغتراب و الدهشة من حيث توجبهما المعرفة و العدم و الوجود، مثارا للقلق المتوهج و الحركة الجياشة، فما بالنا نعدل عن هذا كله إلي اللاغربة؟ أليس من الأولي و نحن في صميم تجربة عرفانية صوفية‌ أساسها الديالكتيك الوجداني، ان نتشبث بخصوبة الوعي القلق و إن أذن بعدم الكمال الروحي؟ يقول ابن عربي في هذا السياق آخذا بفكرة المعيار:
و أما العارفون المكملون فليس عندهم غربة أصلا، و أنهم أعيان ثابتة في أماكنهم لم يبرحوا عن وطنهم، و لما كان الحق مرآة لهم، ظهرت صورهم فيه ظهور الصور في المرآة، فما هي تلك الصور أعيانهم لكونهم يظهرون بحكم شكل المرآة و لاتلك الصور عين المرآة لأن المرآة ما في ذاتها تفصيل ما ظهر منهم، فما اغتربوا و إنما هم أهل شهود في وجود، فأضيف إليهم الوجود من أجل حدوث الاحكام [ الفتوحات ج 2: 529].
... فمرتبة الغربة ليست من منازل الرجال...، و الآكابر لايرون أنه اغترب شيء عن وطنه بل الواجب واجب و الممكن ممكن و المحال محال، فتعين وطن كل مستوطن.
و الحمد لله رب العالمين

منابع
ـ التوحيدي، ابوحيان. الاشارات الالهيه. مقدمة المحقق الدكتور عبدالرحمن بدوي.
ـ ابن عربي، محيي الدين. (1948). مجموع الرسائل.
ـ ــــــــــــ . الفتوحات المكيه. بيروت‎: دار صادر.
ـ ــــــــــــ . فصوص الحكم.
ـ ــــــــــــ . التذكاري.
ـ اوتو فينخل، راجع. (1969). نظرية التحليل النفسي في العصاب. ترجمة: ذ. صلاح مخيمر و عبده ميخائيل الانجلو.
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 154
تاريخ التسجيل : 31/10/2014
العمر : 47
الموقع : http://mahmoudalmhdy.alamountada.com/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mahmoudalmhdy.alamountada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى